ابن خلكان

80

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

الطائفة « 1 » ابن المشطوب ، فجاءه يوما على غفلة إلى خيمته واستدعاه ، فخرج إليه فقال له : أريد أن أتحدث معك سرا في خلوة ، فركب فرسه وسار معه وهو جريدة وقد جرد « 2 » المعظم جماعة ممن يعتمد عليهم ويثق إليهم ، وقال لهم : اتبعونا ، ولم يزل المعظم يشاغله بالحديث ويخرج معه من شيء إلى شيء حتى أبعدا عن المخيم ، ثم قال له : يا عماد الدين ، هذه البلاد لك ونشتهي أن تهبها لنا ، ثم أعطاه شيئا من النفقة ، وقال لأولئك المجردين : تسلموه حتى تخرجوه من الرمل ، فلم يسعه إلا امتثال الأمر لانفراده وعدم القدرة على الممانعة في تلك الحال . ثم عاد المعظم إلى أخيه الكامل وعرفه صورة ما جرى ، ثم جهز أخاه الملك الفائز إلى الموصل لإحضار النجدة منها ومن بلاد الشرق ، فمات بسنجار وكان ذلك خديعة لإخراجه من البلاد ، فلما خرج هذان الشخصان من العسكر تحللت عزائم من بقي من الأمراء الموافقين لهما ، ودخلوا في طاعة الملك الكامل كرها لا طوعا ، وجرى في قضية دمياط ما هو مشهور ، فلا حاجة إلى الإطالة بذكره ؛ ولما ملك الفرنج دمياط وصارت في قبضتهم خرجوا منها قاصدين القاهرة ومصر ، ونزلوا في رأس الجزيرة التي دمياط في برها ، وكان المسلمون قبالتهم في القرية المعروفة بالمنصورة ، والبحر حائل بينهم ، وهو بحر أشموم ، ونصر اللّه تعالى بمنه وجميل لطفه المسلمين عليهم ، كما هو مشهور ، ورحل الفرنج عن منزلهم ليلة الجمعة سابع شهر رجب سنة ثمان عشرة وستمائة ، وتم الصلح بينهم وبين المسلمين في حادي عشر الشهر المذكور ، ورحل الفرنج عن البلاد في شعبان من السنة المذكورة ، وكانت مدة إقامتهم في بلاد الإسلام ما بين الشام والديار المصرية أربعين شهرا وسبعة عشر يوما ، وكفى اللّه شرهم والحمد للّه على ذلك ، وقد فصلت ذلك في ترجمة يحيى بن جراح فيكشف هناك . فلما استراح خاطر الملك الكامل من جهة هذا العدو تفرغ للأمراء الذين كانوا متحاملين عليه فنفاهم عن البلاد ، وبدد شملهم وشردهم ، ودخل إلى القاهرة

--> ( 1 ) المختار : القضية . ( 2 ) هامش ن : أعلم .